الرئيسية / مدونات / الطب الشعبي بين الخرافة والأساليب العلاجية... بقلم نجلاء الخضراء

الطب الشعبي بين الخرافة والأساليب العلاجية... بقلم نجلاء الخضراء

الطب الشعبي موروث قديم أفرزته ظروف الحياة البدائية التي عاشتها المجتمعات القديمة، وقد ارتبط بالشعوذة والكهانة أمداً من الزمن. ومع الأسف لا يزال هذا الارتباط منتشراً بين قطاعات عريضة من البسطاء في المناطق العشوائية والنائية؛ حيث ثالوث الأمية والفقر والمرض. الطب الشعبي والسحر والكهانة: منذ العصور القديمة كان كاهن القبيلة هو رئيسها في نفس الوقت، لما له من قوى غير عادية في العلاج بشتى الطرق، بعد استنفاد الطرق العادية المتبعة، واتجه نحو التعاويذ والرقية والابتهال إلى الآلهة السماوية والأماكن المقدسة، بعد أن اكتشف ضعفه وجهله بما يحدث حوله، فحاول السيطرة بالمعلومات التي تمكن من اكتشافها والتعرف عليها. عندما استقر الإنسان وقام ببناء المستوطنات، تمكن من تجريب آلاف الأعشاب عبر آلاف السنين، كما عمل على تجبير الكسور وحاول إجراء التربنة (فتح الجمجمة) وطرد الأرواح الشريرة بعدة أساليب. وظهر إلى جانب الكهنة أطباء يستخدمون الأعشاب والأدوية المعدنية والحيوانية، والتي استمرت إلى باقي العصور باستمرارية العادات والتقاليد والمعارف.

أولى المستشفيات كانت معابد: وفي مصر كان المعبد المصرية بمثابة مستشفى كامل يعالج المرض عن طريق السير الطويل في حدائق المعبد لاستنشاق الهواء النقي والتنزه في القوارب النيلية وأداء الرقصات الإيقاعية المنظمة وممارسة الألعاب وأنواع التسلية لعلاج نفسية المرضى، وكان المرضى يزورون الأماكن المقدسة والآلهة لكي يتم الشفاء مع اتباع نصائح الكهنة. الصحة مقدسة: لدى الحضارات الكبرى في العصور القديمة والتي أنتجت البدائع المعمارية، وغيرها من المنجزات التي كانت تتطلب جهداً كبيراً وأجساداً قادرة على مقاومة كافة أشكال الإجهاد والظروف المناخية المتقلبة، كانت القوة العضلية هي الأساس في تجسيد رؤى نخب تلك الحضارات. من هنا قدس القدماء الصحة عبر تعبدهم وإيمانهم بالعديد من آلهة الشفاء، ومن أهم آلهة الشفاء من الأمراض هي الإلهة إيزيس التي كانت ترعى صحة الشعب عن طريق وصف العلاج اللازم لهم؛ حيث كانت تزورهم في أحلامهم أثناء نومهم في المعابد. المعلقات الأولى.. لم تكن شعراً بل وصفات طبية: سجل المصريون القدماء خبرتهم الطبية على جدران المعابد والقبور وأوراق البردي، ويعتبر الوزير أمنحوتب ممن نبغوا في الطب الشعبي، وقد جعل المصريون تمثاله رمزاً لإله الطب. وكان العلاج الطبي عند الفرس يعتمد على العقاقير والجراحة والتعاويذ والعلاجات السحرية، أما في بلاد الهند القديمة، فقد شاع الاعتقاد بتناسخ الأرواح، التي ظنوا أنها تنزل عند تركها الجسد المتوفى إلى جسد إنسان آخر. ذكر المؤرخ هيرودوت أن طريقة علاج الأمراض عند الفراعنة قد استرعت انتباه اليونانيين، فقاموا بنقلها الى بلادهم، وقاموا ببناء معابد خاصة لعلاج مرضاهم وأسموها اسكليبا نسبة الى إله الطب الاغريقي اسكلوبيوس، الذي ساواه بإله الطب أمنحوتب. الحمية الغذائية والعلاج بالموسيقى: كان المريض في اليونان ينام في المعبد حتى يزوره اسكلوبيوس ويصف له العلاج. وكان من يشفى من أي مرض يكتب الوصفة التي شفي بسببها على لوح ويعلقه على جدران المعبد. كان المريض في المعبد يتبع نظاماً غذائياً خاصاً، ويمنع من تناول الطعام الدسم والنبيذ، وكان يقوم بالاستحمام الساخن اليومي مع التدليك والتبخير وأداء الصلوات الخاصة والغناء، ويقدم الأضحية من الكباش وينام على فراء كبشه. ومن معبد كوس الإغريقي تعلم الطبيب الإغريقي أبقراط الذي سمي بأبي الطب الإغريقي، حيث كان يجمع ألواح المرضى ويقوم بدراستها جيداً. ووضع في النهاية قوانينه الشهيرة عن طريق علاج الأمراض بالوسائل الطبية. نظرية الحياة وكيفية الحفاظ عليها: كانت النظرية السائدة عن الحياة هي أن القوة الحيوية التي تخترق الكون تعتبر سبب حياة كافة الكائنات الحية. يختزن الإنسان هذه القوة في جسمه بناء على استعداده الخاص لاستقبالها وحفظها. لهذا كان علاجهم يعتمد على تدفئة الجسم وتهدئة الأعصاب، وكانوا يشحنون الجسم بالقوة الطبيعية للعلاج عن طريق اتباع الصوم وتناول الغذاء الصحي والأعشاب الطبيعية، فيعود لأعضاء الجسم اتزانها، ويرجع الجسم إلى حالته الطبيعية. استفاد الرومان من حصاد الأدوية لدى اليونان وقدماء المصريين، فانتقلت معارف الحضارات السابقة إلى روما.

تطور الطب عند العرب: وفي العصر الجاهلي كان العرب يمارسون الطب على نطاق واسع مازجين تجاربهم بتجارب جيرانهم من الشعوب الأخرى. إن أول من تعاطى الطب من العرب بعد الكهنة هم جماعة ممن خالطوا الروم والفرس في القرن السادس عشر الميلادي، ساعدتهم البيئة الصحراوية بما فيها من أعشاب ونباتات على تحقيق التجربة في استخدام الأعشاب لعلاج بعض الأمراض. فالعرب هم من أدخلوا صناعة الأعشاب والعقاقير الطبية إلى أوروبا. ولما جاء الإسلام حثهم النبي محمد عليه الصلاة والسلام على التداوي بما تنتجه الطبيعة، وعرف عنه التداوي بالعسل والتمر والأعشاب الطبيعية وغيرها مما عرف لاحقاً باسم الطب النبوي. إلا أن المسلمين لم يقفوا عند حدود ما أسموه بالطب النبوي مع إيمانهم بنفعه وبركته، بل أدركوا مبكراً أن ما يسمونه بالعلوم الدنيوية وإحداها الطب، تحتاج إلى دوام البحث والنظر. فتميز علماء المسلمين بأنهم أول من عرف التخصص، فكان منهم أطباء العيون والجراحون والفاصدون (الحجامون)...إلخ.

ارتباط الطب الشعبي بالفقر: يعد الطب الشعبي أرخص تكلفة من الطب الحديث، إذ يستخدم الطب الحديث الكثير من الأجهزة والآلات غالية الثمن، والتي تفوق تكاليف استخدامها دخل الفرد العادي، كما أن العديد من العقاقير غالية الثمن تدخل يومياً سوق الدواء ولا يمكن شراؤها. لهذا كان اعتماد بعض الدول وخاصة الفقيرة على الطب الشعبي، حيث ينعدم وجود المستشفيات والمراكز الصحية رخيصة الثمن بجوارهم، في حين يتوافر الطب الشعبي بكثرة وبسهولة بل وبأثمان رخيصة. أسباب رواج الطب الشعبي وعدم اندثاره: يتمتع الطب الشعبي بتقبل شريحة كبيرة من السكان له، وذلك لترسخه في نفوسهم ومعتقداتهم لخبرتهم الطويلة في نتائجه الطبية، ما يدفعهم ويدفع حتى القريبين منهم من المراكز الصحية إلى تجريب الطب الشعبي أولاً، إضافة إلى أن مختلف وصفات العلاج في الطب الشعبي تصنع من مواد طبيعية يقبلها الجسم أكثر من المواد الكيميائية المصنعة معملياً، كما أن المغليات من الأعشاب الطبية لها فعالية كبيرة داخل جسم الإنسان أكثر من المواد الكيميائية، إذ أن المواد الطبيعية الموجودة في النبات يمتصها الجسم بسهولة تامة وهي لا تضر بالجسم إن لم تنفعه.

مساوئ الطب الشعبي: أهم سلبياته هي التشخيص غير الدقيق لأمراض كثيرة، والذي قد ينتج عنه الكثير من المضاعفات. فإن الكثير من المعالجين الشعبيين يجهلون المبادئ الصحية العلمية الصحيحة. ينقص الطب الشعبي تقدير الجرعات بشكل دقيق، ويندرج في ممارساته في غالب الأحيان الكثير من النواحي المتعلقة بالسحر الأسود والأرواح الشريرة والخفية، والتي تقلل من أهمية الاعتراف بهذا النوع من العلاج.

هوامش: 1- الجمال. سمير يحيي، الطب الشعبي التقليدي حقائق وغرائب، مكتبة المدبولي، مصر، ص8،9 2- عباس. زينب، الطب الشعبي في البحرين، موقع الثقافة الشعبية. 3- السرجاني. راغب، المسلمون وتطور علم الط