الرئيسية / مدونات / باب الرحمة يجسد روح أصحابه... بقلم نجلاء الخضراء

باب الرحمة يجسد روح أصحابه... بقلم نجلاء الخضراء

وشم حفر على جسد الأقصى فكان علامة أصحابه ودلالة حضاراتهم، لآلئ عربية نثرت على جيده تحوم فوقها النسور والغربان لاختطافها لؤلؤة تلو الأخرى. حجارة اقتبست من القرآن والانجيل وبقعة من بقاع الجنة تحمل عبق التوبة وتهب من خلالها نسائم الرحمة.

تخضبت أرض ساحات أبوابها بدماء شهداء أبوا أن يدنسها المغتصب بأنفاسه، وتركوا في كل قطرة دم سالت مجاهدا ومرابطا وصامدا.  

باب الرحمة باب ضخم يقع في الجهة الشرقية من سور مدينة القدس القديمة، وسور المسجد الأقصى على بعد مائتي متر من باب الأسباط. وهو باب مزدوج ارتفاعه 11ونص م يتألف من بوابتين مدمجتين   بينهما عامود من الحجر تؤديان إلى غرفتين مقببتين واسعتين مسقوفة بعقود ترتكز على أقواس قائمة فوق أعمدة كورنثية، ينزل إليها بدرج يوصل لساحات الأقصى، أطلق على البوابة الخارجية جنوبا اسم باب الرحمة والبوابة الداخلية شمالا سميت بباب التوبة لتكون كل تلك العناصر المزدوجة مبنى عريق جدا. وهو من أقدم أبواب المسجد الأقصى.

بني الباب أو المبنى على شكله الحالي في عهد الخليفة مروان بن عبد الملك، فحمل زخارف وثقت ازدهار الفن المعماري الأموي الإسلامي وعراقته 691م، تم تجديده في عهد صلاح الدين الأيوبي فكان أشبه بلوحة فنية فائقة الجمال[1].

يطل باب الرحمة من الجهة الخارجية على وادي النار بانحدار شديد يكون هذا الانحدار مقبرة الرحمة وهي تضم قبري الصحابيين شداد بن أوس وعبادة بن الصامت وعدد من علماء وشيوخ المسجد الأقصى وعدد كبير من شهداء المجازر الإسرائيلية، وهي أكبر المقابر الإسلامية في القدس. وقد ورد أن تسمية هذا الباب كانت تشبيها وتصويرا لما ورد في القرآن الكريم في قوله تعالي[2] (فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب)[3] نلاحظ في الآية توصيف السور والباب المطل على المسجد الأقصى وقد وصف بالرحمة في حين كان خارج الباب يطل على العذاب في وصف لمشهد الوادي وادي جهنم أو قدرون والمقابر.   

أطلق على الباب عدة أسماء فسمي بباب الرحمة وباب التوبة، وسمي بباب توما، والبوابة الأبدية، البوابة الدهرية، وباب الحكم وباب القضاء[4]، كما سماه الغربيون بالباب الذهبي اعتقادا منهم بأنه الباب الذي دخل منه السيد المسيح إلى الأقصى، وهو الباب الذي اتخذه الصليبيون منفذا لهم إلى الأقصى.

ويقال إن السبب في التسمية أن البوابة كانت مغشاة بالذهب من الداخل في العهد الأموي.

اختلفت الروايات حول سبب وزمن إغلاق البوابة الخارجية فبعضها أعاد الإغلاق إلى العهد الصليبي إيمانا منهم بأن المسيح سيفتحها عند عودته وبهذا فإن باب الرحمة يأخذ حيزا كبيرا من المعتقدات المسيحة. ولكن الرائج من تلك الروايات هو أن الإغلاق تم في العهد الأيوبي والسبب هو التحكم بدخول وخروج الزوار والمصلين وأغلقت معها جميع الأبواب التي توصل إلى خارج المدينة مباشرة[5] بهدف حماية المسجد من أي اعتداء خارجي بعد تحرير القدس 1187م.

وفي روايات أخرى أن الباب أغلق في العصر العثماني ويرتبط اغلاقه بشائعة انتشرت في ذلك الوقت أن الفرنجة سوف يعودون لاحتلال القدس وسيكون دخولهم إلى المدينة عن طريق هذا الباب. خشي المقدسيون من إطلاق هذه الشائعة فعمدوا إلى اغلاق الباب الذي لا يزال مغلقا حتى اليوم[6].

أما اليوم فتحرص الأوقاف على إبقاء الباب مغلقا خشية تسلل الصهاينة إلى الحرم المقدسي. وتركت البوابة الداخلية مفتوحة من ساحات الأقصى إلى داخل الحرم.

استخدم المبنى الواقع داخل الباب من جهة المسجد الأقصى قاعة للصلاة والذكر ويذكر إن الإمام الغزالي (1058-1111) اعتكف في زاويتة عندما سكن القدس ليدرس في المسجد الأقصى وفيها وضع كتابه الأشهر (أحياء علوم الدين).

واتخذت لجنة التراث الإسلامي القاعة داخل الباب مقرا لأنشطتها الدعوية داخل الأقصى منذ عام 1992م حتى حلت سلطات الاحتلال اللجنة عام 2003م، كما كان هذا الباب مقرا للجنة الزكاة قبل ان تقوم سلطات الاحتلال بإغلاقه عام 2003م وظل المبنى مغلقا وغير مستخدما منذ ذلك الحين[7].

تروج سلطات الاحتلال ضمن أكاذيبها أن باب الرحمة أو المبنى بالكامل بني أول مرة على يد الملك سليمان بهذه الهيئة العظيمة، في محاولة جاهدة للاستيلاء عليه وتحويله لكنيس يهودي. وكتأكيد لادعاءاتهم استعانوا باسم اسطبلات سليمان التي أطلقت على المصلى المرواني لإيهام العالم أنهم يمتلكون أثرا وتاريخا على الأرض إلا أن حفريات التنقيب أثبتت أن البناء بناء أموي إسلامي استخدم زمن الخليفة مروان بن عبد الملك كمدرسة فقهية وأبان الاحتلال الصليبي حول إلى مكان لمربط الخيول والدواب ومخازن وذخيرة وفي عهد سليمان القانوني أطلق عليها اسم اسطبلات سليمان، نسبة للخليفة العثماني سليمان القانوني وهو الاسم الذي استغله الصهاينة في سلاسل أكاذيبهم حول المسجد الأقصى.

قامت سلطات الاحتلال الإسرائيلي أيضا بعمليات تنقيب في الجهة الجنوبية الشرقية الملاصقة لحائط المسجد الأقصى واتجهت نحو الغرب حتى وصلت إلى الجهة الجنوبية الغربية بطول 70م وعمق 14م سنة 1967م، وكان الهدف من الحفر تنفيذ المخطط الرامي إلى هدم المسجد الأقصى عن طريق تصدع أساساته من اجل بناء الهيكل مكانه.

كانت نتائج الحفريات ان كل ما ظهر من آثار هذه المنطقة آثار عربية إسلامية، فلم يجد الاحتلال بدا من تغير معالم الآثار المكتشفة وطبعها بطابع يهودي والعمل على خداع السياح فادعت أن ما وجدت من أساطيل نسبت إلى سليمان القانوني العثماني إنما هي تعود لزمن سليمان ملكهم الذي ينسب إليه هيكلهم المزعوم   

 وفي عام 1995 افتتح المكان كمصلى للمسلمين أطلق عليه المصلى المرواني نسبة إلى بانيه ومؤسسه الحقيقي[8]  

 

كما ادعوا بعد احتلالهم للقدس 1967م أن الباب المزدوج من أبواب معبدهم المزعوم وأطلقوا عليها اسم باب خلدة وهو اسم نبية مزعومة ادعوا وجود قبرها عند الباب [9]  ومن ادعاءاتهم أنهم اكتشفوا بقايا درج من عصر المعبد الثاني يقود إليهما واتخذوا ذلك ذريعة لبناء درج حجري على امتداد السور بين البابين الثلاثي والمزدوج. إلا ان الحفريات أثبتت أن باب الرحمة أموي البناء وأكدت على عدم وجود قبر هناك.

لم تتمكن الصهيونية والاحتلال الإسرائيلي بالرغم من تجنيد العشرات من علماء الآثار والمؤرخين ودعم الدول الأوروبية من العثور على أي أثر حقيقي لهيكل أو تراث عبري أو اثبات رواية من روايات العدو الصهيوني ولم يستطيعوا أن يأتوا بأي دليل ملموس على وجود آثار ومكتشفات عبرية أو يهودية في جوار وحول المسجد الأقصى المبارك ومن تحت أسواره الشرقية حيث المقابر الإسلامية في منطقة باب الرحمة التي هي جزء من أسوار المدينة المقدسة. في حين أثبتت الحضارة العربية الإسلامية بشواهدها ومواقعها ومخطوطاتها ومعالم تواجدها التاريخي ووثائقها أن هذه الحضارة ليست محصلة حقب وعصور غابرة بل هي استقرار حضاري أثبت ذاته على مدى 4000عام[10].

وبعد فشل الكيان الإسرائيلي الغاصب في محاولاته الأثرية وعمليات التنقيب في اثبات وجوده التاريخي على أرض فلسطين لجأ للقوة واستخدام السلاح لتنفيذ مخططاته الإجرامية بأساليبه الوحشية. وبأيدي عسكرية مخضبة بدماء أصحاب الحقوق والتراث والتاريخ.

فقد حاول الإرهابي الصهيوني موشيه ديان فتح الباب في حرب 1967م لكنه فشل، وفي عام 1975م بدأ الاعتداء على المقابر الإسلامية بما تحويه من رفات مئات الآلاف من رجال الإسلام وفي مقدمتهم صحابة رسول الله وعلماء الدين والفكر والقادة البارزين من أهل القدس الذين جاوروها والتحقوا بمعاهدها العلمية كعلماء ومدرسيين وطلاب حلوا فيها. وتعتبر هذه المقابر جزءا مقدسا من تاريخ القدس الإسلامي ويعتبر كل قبر فيها جزءا من تاريخ القدس.

تعرضت هذه المقابر إلى الاعتداءات المتواصلة ومن هذه المقابر مقبرة الساهرة ومقبرة اليوسفية ومقبرة باب الرحمة، ومهدت لوضع يدها على مقبرتي باب الرحمة واليوسفية وضممها لمنتزه إسرائيل الوطني[11].

وفي عام 2002 جرت محاولة لاقتحامه تم احباطها عندما حاول صهيوني فتح قبر المولية الملاصق للباب من الخارج وحفر نفقا تحته ينفذ إلى داخل المسجد[12].

تم التركيز من قبل العدو المحتل على الجزء الشرقي من ساحة الأقصى الممتد من باب الرحمة شمالا وحتى مدخل المصلى المرواني جنوبا (منطقة باب الرحمة) كمساحة أساسية لنشاط المقتحمين وأداء شعائرهم ومنع اخراج الردم المتراكم هناك، في تمادي منها في استهداف باب الرحمة والساحة أمامه بإغلاق الباب عام 2003 وتجديد هذا الإغلاق بين فترة وأخرى ووضع حراسة عليه من قبل الاحتلال وتكبيله بالجنازير والأقفال.

وفي عام 2013 تسربت خريطة من مناقشة في حزب الليكود تشير صراحة على اقتطاع المساحة الموازية لباب الرحمة كصالة دائمة لليهود

وفي الأعوام 2016-2017م تركز الاستهداف الإسرائيلي على مقبرة الرحمة والعمل على الاستحواذ عليها واقتطاعها لفتح باب الرحمة والتوبة واستخدامهما وبالرغم من ان سلطات الاحتلال ماتزال بعيدة عن الاستحواذ عليها إلا انها تعمل على اقفالها في وجه عمليات الدفن الجديدة وتحاول قضمها بشكل تدريجي وبدأت بهدم القبور تدريجيا وأخيرا عملت على تسيجها ومنع الدفن فيها أو الاقتراب منها[13].

منذ اعلان ترامب المشؤوم، وقيامه بنقل السفارة الأمريكية سعى العدو الصهيوني جاهدا لعمليات تهويد المسجد الأقصى وشن حملاته للسيطرة على باب الرحمة لتنفيذ مخطط إقامة كنيس باب الرحمة فهو يعد هذه المنطقة أفضل من ساحة البراق بسبب موقعها داخل الأقصى وبجوار المكان المستهدف لبناء كذبتهم وهو ما يسمونه قدس الأقداس خاصة بعد تحويل القصور الأموية التي تقع بمحاذاة الأقصى من الناحية الجنوبية إلى مطاهر للهيكل وحديقة تلمودية[14].

من كل ما سبق إن القدس والمسجد الأقصى بكل أسوارها وأبوابها ومحتوياتها ومساجدها ومنشآته هو ملك للعرب المسلمين وحدهم وأن أي تهديد له تهديد للعرب والمسلمين وأن أي اعلان عن تغير تلك الملكية هو ضرب من ضروب العدوان والاحتلال الغاشم على تلك الأرض المقدسة.

إن أي تهديد لقبلة المسلمين الأولى وعاصمة فلسطين يتطلب وقفة حاسمة من العالم باسره بحكوماته ومؤسساته التي تعنى بالسلام والإنسان والمقدسات وزعماء الأمة العربية و الإسلامية وشعوبها مطالبين بضرورة ثني سلطات الاحتلال التي تمارس جرائم الاحتلال والتطهير العرقي ضد الشعب الفلسطيني وضد مدينة القدس وهي مطالبة بالتحرك لوقف العدوان الإسرائيلي الغاشم ضد شعبنا ومقدساته والحيلولة ضد مخاطر العبث بالمسجد الأقصى المبارك، وعلى الشعب الفلسطيني تفويت الفرصة على المحتل بالصمود والمقاومة والثبات ضد الهجمة الشرسة التي طالت البشر والحجر والعمل على وحدة الصف ونبذ التطرف والانقسام عندها يمكن الدفاع عن القدس وفلسطين وتاريخها وتراثها وشعبها، فحالة الانقسام الداخلي من اهم الأسباب التي تغري العدو المحتل في التعامل بغطرسة واستهتار مع حقوق الشعب الفلسطيني وأصالته وتراثه

 

 

 

 

 

 

  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


[1] أدكيك. رنين،ت: آية سبيتان، أبواب القدس، القدس، مؤسسة التعاون، 2015،ص17

[2] تفسير الطبري

[3] سورة الحديد، الآية 13

[4] أرشيف المسجد الأقصى المبارك

[5] ماعليك معرفته عن باب الرحمة في المسجد الأقصى، العربي، 22فبراير2019

[6] أبواب القدس، شبكة فلسطين للحوار.1يوليو2009

[7] ماعليك معرفته عن باب الرحمة في المسجد الأقصى، المرجع السابق.

[8] بركو. عبد بن محمد، المسجد الأقصى والهيكل المزعوم، دمشق، دار قتيبة، 2013، ص33

[9] الهزايمة. القدس في الصراع العربي الإسرائيلي، المنهل، 2011، ص621

[10] أبو جابر. إبراهيم، قضية القدس ومستقبلها في الوطن العربي في القرن الحادي والعشرين مركزدراسات الشرق الأوسط، 2002، ص175، 177

[11] الهزايمة. محمد عوض، المرجع السابق، ص265

[12] أرشيف المسجد الأقصى، المرجع السابق

[13] صالح. محسن محمد، التقرير الاستراتيجي 2016-2017، بيروت، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 2018، ص160.

[14] وني. وسيم، باب الرحمة وأغلال الحقد الصهيوني، معا، 22فراير2019.