الرئيسية / مدونات / مقاربات الأرض ومقارنات المواقف... بقلم مي أحمد شهابي

مقاربات الأرض ومقارنات المواقف... بقلم مي أحمد شهابي

لا شك في أن العالم الآن قد دخل دوامة التغيير، ومرحلة ما بعد العولمة والحداثة. ولا شك في أن المصالح التي تلهث القوى العظمى لفرضها على الدول الفقيرة، أو الغنية على حد سواء، وعلى دول العالم الثالث  وما خلفته من سياسات الأرض المحروقة التي هبت من خلالها عواصف الربيع العربي الكاذبة، والمزيفة، لتغيير التضاريس والديموغرافيا ـ وحتى الأيديولوجيات.

وهكذا، فإنه لم يعد هناك حاجة للفكر المقولب سياسيا وعقائديا بل أن يتابع في شرح ما تقوم به السياسات التي تضع المصلحة كأولوية، وفوق كل اعتبار، ولذلك، فإن استنزاف القوى الوطنية وخيرات الشعوب ومقدرات الأوطان لن يقف عند حد ، وليس ذلك فقط بالاستحواذ على كل ما من شأنه المساهمة في التطوير والتحديث في تلك البلدان التي عملت القوى العظمى على السيطرة عليها من خلال الاغراءات أو هجرة العقول العربية، وليست فلسطين الصامدة استثناء على ما جرى ويجري منذ بدايات القرن العشرين وحتى لحظة كتابة هذا المقال. 

ومما لا شك فيه أن الدول المكشوفة الظهر مثل دول الخليج وشمال أفريقيا، أصبحت في خندق واحد، وكبالع السكين، فقد حكم الولايات المتحدة الأمريكية رجل شرس حيال المال، بل وحوت ضخم من حيتان التجارة والسياسة معا ، والذي عرف من اين تؤكل كتف الخليج، وكيف يضع خزائنهم في عصارة المال ، وكيف يحولوهم إلى خدم مطيعين لنتنياهو وجون بولتون ، وللمحفل اليهودي في آيباك، وهو الاخطبوط الذي يسيطر على أيديولوجيا النظرة الأمريكية حيال القضية الفلسطينية وعرف كيف يقلب المعادلة لدى حكومة " ترامب " الذي كرس أولوياته، وخزائن الخليج، ونفوذه المترامي الأطراف من أجل تحقيق حلم الكيان الصهيوني باسرائيل من خلال صفقة القرن.

وبالرغم من ذلك فهناك تقارير صحفية عديدة تتناول تلك الصفقة، ويمكن تلخيصها في حل القضية الفلسطينية بإقامة دولة فلسطينية بدون جيش في الضفة الغربية وقطاع غزة. وستقوم مصر بمنح أراض إضافية للفلسطينيين من أجل إنشاء مطار ومصانع والتبادل التجاري والزراعة دون السماح للفلسطينيين في العيش فيها. وسيتم الاتفاق على حجم الأراضي وثمنها. كما سيتم إنشاء جسر معلق يربط بين غزة والضفة لتسهيل الحركة. بعد عام من الاتفاق تجرى انتخابات ديمقراطية لحكومة فلسطين وسيكون بإمكان كل مواطن فلسطيني الترشح للانتخابات. سيتم فرض عقوبات على جميع الأطراف الرافضة للصفقة بما في ذلك الكيان الصهيوني.

بيد انه و حتى الآن ترفض سلطة العدو الصهيوني تطبيق حل الدولتين وعودة اللاجئين، وأنه من الصعب إجلاء المستوطنين من أراضي الضفة الغربية.

هذه الصفقة التي صرفت من أجلها المليارات ، واستبيحت كرامة دول وأنظمة ، وتغيرت سياسات وقتلت شعوبا وهجرت الملايين باسم الربيع العربي ، وجعلت معظم الحكام والقادة العرب ألعوبة بيد الصهاينة وليس السيسي بآخرهم ، تظن ومن ورائها بأنها لا شك ستنجح ، وستتم إماهة القضية الفلسطينية بموجب فرض سياسة الأمر الواقع ، وخصوصاً بعد إعلان ترامب القدس عاصمة لإسرائيل ، ونقل سفارة بلاده إلى العاصمة الفلسطينية ، وكله تمهيدا لترسيخ الأنا الصهيونية ومن يواليها لتحقيق المآرب التلمودية المنشودة .

بيد أنه ، وفي المقابل ، فإن ما كان  يثير الحيرة والتساؤل ، ولا يزال ، هو كيف لم تتحقق تلك الرؤى الصهيونية والأحلام التلمودية رغم كل الضخ الإعلامي والمادي وتسهيل الموارد ، وممارسة أقذع أنواع التعذيب بحق الشعب  الفلسطيني  الأعزل والمحاصر .

الجواب باختصار يكمن من تلك الرحم الولادة ، والتي يتكون فيها الدم الفلسطيني جيلا بعد جيل وسنة بعد سنة ، وهو ما يمكن إحساسه بأبناء التراب الفلسطيني من عشرات السنين ، وصولا إلى محمد الدرة وعهد التميمي ، وغيرهم الآلاف ممن امتزجت نبضات قلوبهم وعروق أوردتهم مع نسائم الجليل ، وبيارات يافا .

هنا يكن سر الصمود الفلسطيني بوجه الحصار ووجه الجوع ووجه الردع والدبابات والقنابل الفسفورية .

هنا يكمن سر فشل كل المؤامرات والتصفيات بحق العقل الفلسطيني والأدب والفن الفلسطيني ، ليس أولهم ناجي العلي ، وليس آخرهم خليل الوزير وطلعت يعقوب وغالب هلسا وابراهيم طوقان ، والأيقونات كثيرة .

ومن هنا ، يعلم القاصي والداني ، من أن كل الجهود الجديدة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط من أجل تنفيذ مشروع صفقة القرن ستبوء بالفشل حال مواصلتها انتهاك الحقوق الشرعية للفلسطينيين.   

 

كما وإن الحديث عن جولة أمريكية جديدة لدول المنطقة بهدف بحث ما يسمى بـ"صفقة القرن" مضيعة للوقت.

وإن  الجولة الأمريكية التي بدأت في نيويورك والأمم المتحدة، والهادفة لتمرير خطة لا معنى لها، والبحث عن أفكار مبهمة لفصل غزة تحت شعارات إنسانية مقابل التنازل عن القدس ومقدساتها لن تحقق شيئاً دون الالتزام  بالشرعية العربية المتمثلة بقرارات القمم العربية، وقرارات مجلس الأمن الدولي، والشرعية الدولية، وفي الأساس منها موافقة الشعب الفلسطيني سيكون مصيرها الفشل الكامل".

ومن هنا ، فإن المقاربات العربية العربية ، والعربية الأمريكية ، والعربية الصهيونية ، ستظل تائهة في عماء المصالح . في حين أن شعبا حيا ومناضلا مثل الشعب الفلسطيني ، لا يمكن مقارنته سوى بحركات شعوب التحرر الوطني كالشعب الفيتنامي ، والشعوب الحرة التي تعرف معنى الانتماء الحقيقي في وجه المصالح .